عبد الملك الجويني
458
نهاية المطلب في دراية المذهب
من حيث إن ما يلابسه ، لا يعدّ سفراً طويلاً - والرخص لا تجول فيها الأقيسة ، بل الغالب فيها الاتباع - وقد رُبط القصر والفطر بالسفر الطويل = امتنعا في الذهاب والإياب ، في الصورة التي ذكرناها . 1320 - ولو خرج من وطنه يؤمُّ موضعاً والمسافة مرحلتان ، فلا شك أنه يقصر في طريقه ذاهباً وآيباً ؛ فإنه في طرفي سفره مستقبل سفراً طويلاً ، وظاهر ما نقله الصيدلاني أنه يقصر في مقصده إذا كان لا يقيم بها إلا إقامة مسافر ، وهذا مشكل ؛ فإن سفره ينقطع على منتهى المقصد ، وهو في إيابه في حكم من يبتدئ سفراً ، وليس الإياب متصلاً بالذهاب في الحساب ، بدليل ما قدمناه من أنه لو كانت المسافة مرحلة ، ولكنها تتثنَّى بالإياب ، فلا يقصر ، ويجعل كأنه لابس سفرين ، كل واحد منهما مرحلة ، وهذا القياس يقتضي ألا يقصر في مقصد سفره أصلاً ، وإن طال السفر . والذي ذكرته ابتداءُ إشكال ، وليس عندي فيه نقل أعتمده إلا ما ذكره الشيخ أبو بكر . والله أعلم . فصل 1321 - إذا خرج يقصد موضعاً وكان إليه طريقان ، أحدهما مرحلتان ، والأخرى أقل منهما ، فإن كان سلك الأقصر ، فلا شك أنه لا يقصر . وإن سلك الأبعد ، نُظر : فإن اختار الأبعد لغرضٍ ظاهر مثل أن كان في الأقصر خوف ، أو توعر وحُزونة يظهر ضررُها وأثرها ، فلا شك أنه يقصر إذا سلك الأبعد . وإن لم يترجح أحد المسلكين على الآخر بغرضٍ ظاهر ، فإذا آثر الأبعد ، فهل يقصر ؟ فيه اختلافُ نصِّ الشافعي ، وقد اختلف الأئمة ، فمنهم من جعل المسألة على قولين : أحدهما - أنه يقصر ، لملابسته سفراً طويلاً لا معصية فيه . والثاني - لا يقصر ؛ فإنه ليس له إرْب بَيّنٌ ظاهر في التزام زيادة المسافة ، فهو في حكم من يتعب نفسَه ودابتَه بلا فائدة ، وقد أجمع أئمتنا على أن مسافة سفره لو كانت مرحلة واحدة ، ولكن كان يذهب يمنة ويسرة ، ويتمايل عرضاً وطولاً بحيث تصير